محمد عزة دروزة

460

التفسير الحديث

ولقد روى الشيخان والترمذي في سبب نزول الآيات حديثا عن زيد بن أرقم قال « كنت مع عمي فسمعت عبد اللَّه بن أبيّ بن سلول ، يقول لا تنفقوا على من عند رسول اللَّه حتى ينفضوا ، وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ ، فذكرت ذلك لعمي ، فذكره لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فأرسل إلى عبد اللَّه بن أبيّ وأصحابه ، فحلفوا ما قالوا فصدقهم رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وكذبني فأصابني همّ لم يصبني مثله ، فجلست في بيتي فأنزل اللَّه عز وجل * ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ ) * إلى قوله * ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه ) * إلى قوله * ( لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ ) * فأرسل إليّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم فقرأها عليّ ، ثم قال : « إن اللَّه قد صدقك يا زيد » ( 1 ) . حيث يفيد هذا الحديث أن هذا الفصل نزل دفعة واحدة . وهو في الحق منسجم ومترابط . وعلى هذا فتكون الآيات الست الأولى بمثابة تمهيد للآيتين التاليتين لها اللتين فيهما حكاية أقوال المنافقين . وقد عرضنا الفصل كلَّا واحدا بسبب هذا الانسجام . ولقد أورد المفسرون ورواة الحديث وكتّاب السيرة القدماء في صدد نزول هذه الآيات وما فيها ، سياقا طويلا نرى من المفيد إيراده لما فيه من صور . فقد خرج النبي صلى اللَّه عليه وسلم على رأس حملة لغزو بني المصطلق الذين بلغه أنهم يتجمعون لغزو المدينة . وكان المنافقون مشتركين بالحملة بمقياس واسع . وقد التقى المسلمون بالأعداء عند ماء اسمه المريسيع وانتصروا عليهم وسبوا وغنموا منهم . وقبيل أن يرتحلوا ويعودوا ، تلاحى شخص تابع لعمر بن الخطاب وآخر تابع لبني عوف رهط ابن سلول على الماء فاقتتلا وصرخ تابع عمر : يا معشر المهاجرين ، وصرخ تابع بني عوف : يا معشر الأنصار ، وكاد الاشتباك يقع بين الحيين ثم تمكن النبي وكبار أصحابه من التهدئة . وأثار ذلك ابن سلول ، فقال في مجلس من قومه : لقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا - يقصد المهاجرين - واللَّه ما مثلنا ومثلهم إلَّا كما قال القائل سمّن كلبك يأكلك . أما واللَّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ يعني بالأعز نفسه وبالأذل رسول اللَّه وصحبه . ثم أقبل على من حضره من قومه فقال :

--> ( 1 ) التاج ج 4 فصل التفسير ص 235 .